ابن تيمية
63
منهاج السنة النبوية
وَأُجْرَةُ مَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ لِحَمْلِ الْخَمْرِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، عَلَى أَظْهَرِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ . فَإِنَّ مَنِ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً مُحَرَّمَةً بِعِوَضِهَا ، كَالَّذِي يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ بِالْجُعْلِ ، أَوْ يَسْتَمِعُ الْمَلَاهِيَ بِالْجُعْلِ ، أَوْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ بِالْجُعْلِ ، إِنْ أُعِيدَ إِلَيْهِ جُعْلُهُ بَعْدَ قَضَاءِ غَرَضِهِ ، فَهَذَا زِيَادَةٌ فِي إِعَانَتِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، فَإِنْ كَانَ يَطْلُبُهَا بِالْعِوَضِ ، فَإِذَا حَصَلَتْ لَهُ هِيَ وَالْعِوَضُ كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي إِعَانَتِهِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ، وَإِنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ وَالْمُؤَجِّرِ كَانَ قَدْ أُبِيحَ لَهُ الْعِوَضُ الْخَبِيثُ ، فَصَارَ مَصْرُوفُ ( 1 ) هَذَا الْمَالِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ . وَعُمَرُ إِمَامٌ عَدْلٌ ، فَكَانَ قَدْ رَأَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْمَهْرِ الشَّرْعِيِّ يَكُونُ هَكَذَا ، فَعَارَضَتْهُ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ : لِمَ تَمْنَعْنَا شَيْئًا أَعْطَانَا اللَّهُ إِيَّاهُ فِي كِتَابِهِ ؟ فَقَالَ : وَأَيْنَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ فَقَالَتْ : فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 20 ] ، وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ : أَمِنْكَ نَسْمَعُ أَمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ قَالَ : بَلْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ . فَقَرَأَتْ عَلَيْهِ الْآيَةَ ; فَقَالَ : رَجُلٌ أَخْطَأَ وَامْرَأَةٌ أَصَابَتْ ( 2 ) .
--> ( 1 ) ب : مَصْرِفُ . ( 2 ) ذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ لِآيَةِ 20 مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ ( ط . الشَّعْبِ 2 / 212 - 213 ) وَأَشَارَ إِلَى رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ لِلْحَدِيثِ وَلَكِنْ مِنْ غَيْرِ مُنَاقَشَةِ الْمَرْأَةِ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، ثُمَّ رَوَى الْخَبَرَ كَامِلًا وَفِيهِ اعْتِرَاضُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَقَالَ بَعْدَهُ : " إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ " ثُمَّ ذَكَرَ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ لِهَذَا الْأَثَرِ . وَالْأَثَرُ مِنْ غَيْرِ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُسْنَدِ ط الْمَعَارِفِ ) الْأَرْقَامُ 285 ، 287 ، 340 ، وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْمُسْتَدْرَكِ وَالسُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ ( انْظُرْ تَعْلِيقَ أَحْمَدَ شَاكِر - رَحِمَهُ اللَّهُ - 2 / 277 - 278 ) . وَانْظُرْ كَلَامِي عَلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ 4 / 74 ( ت 4 ) .